سيد قطب
2737
في ظلال القرآن
لقد استقرت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس ، وعمرت كل قلب ، واختلطت بالدم ، وجرت معه في العروق ، ولم تعد كلمة تقال باللسان ، ولا قضية تحتاج إلى جدل . بل بديهة مستقرة في النفس ، لا يجول غيرها في حس ولا خيال . قوة اللّه وحدها هي القوة . وولاية اللّه وحدها هي الولاية . وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل ؛ مهما علا واستطال ، ومهما تجبر وطغى ، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل . إنها العنكبوت : وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت : « وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . وإن أصحاب الدعوات الذين يتعرضون للفتنة والأذى ، وللإغراء والإغواء . لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة ولا ينسوها لحظة ، وهم يواجهون القوى المختلفة . هذه تضر بهم وتحاول أن تسحقهم . وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم . . وكلها خيوط العنكبوت في حساب اللّه ، وفي حساب العقيدة حين تصح العقيدة ، وحين تعرف حقيقة القوى وتحسن التقويم والتقدير . « إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ » . . إنهم يستعينون بأولياء يتخذونهم من دون اللّه واللّه يعلم حقيقة هؤلاء الأولياء . وهي الحقيقة التي صورت في المثل السابق . . عنكبوت تحتمي بخيوط العنكبوت ! « وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . هو وحده العزيز القادر الحكيم المدبر لهذا الوجود . « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » . . فلقد اتخذها جماعة من المشركين المغلقي القلوب والعقول مادة للسخرية والتهكم . وقالوا : إن رب محمد يتحدث عن الذباب والعنكبوت . ولم يهز مشاعرهم هذا التصوير العجيب لأنهم لا يعقلون ولا يعلمون : « وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » . . ثم يربط تلك الحقيقة الضخمة التي قدمها بالحق الكبير في تصميم هذا الكون كله على طريقة القرآن في ربط كل حقيقة بذلك الحق الكبير : « خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » . . وهكذا تجيء هذه الآية عقب قصص الأنبياء ، وعقب المثل المصور لحقيقة القوى في الوجود ، متناسقة معها مرتبطة بها ، بتلك الصلة الملحوظة . صلة الحقائق المتناثرة كلها بالحق الكامن في خلق السماوات والأرض ؛ والذي قامت به السماوات والأرض ، في ذلك النظام الدقيق الذي لا يتخلف ولا يبطئ ولا يختلف ولا يصدم بعضه بعضا ، لأنه حق متناسق لا عوج فيه ! « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » . . الذين تتفتح قلوبهم لآيات اللّه الكونية المبثوثة في تضاعيف هذا الكون وحناياه ، المشهودة في تنسيقه وتنظيمه ، المنثورة في جوانبه حيثما امتدت الأبصار . والمؤمنون هم الذين يدركونها ، لأنهم مفتوحو البصائر والمشاعر للتلقي والإدراك .